علي بن أحمد المهائمي
336
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وصرّح في مكان لا معارضة فيه ، ولكن هذه الشفقة المشعرة بما يشبه الكرب لا تتعلق بالذات والأسماء بالنظر إلى العباد من حيث هم عباد بل من حيث هم مظاهر الأسماء والذات ، باعتبار ما فيها من طلب الظهور بهم ، لكن الربوبية سابقة في هذا الطلب على الذات والأسماء باعتبار بانتسابها إلى الذات ، ولكن الأسماء الإلهية باعتبار انتسابها إلى الأشياء كالربوبية في سبقها في هذا الطلب . ( فأول ما نفس عن الربوبية بنفسه المنسوب إلى الرحمن ) الشامل لأسماء الربوبية ، فنفس عمّا يشبه الكرب فيها ( بإيجاده العالم الذي تطلبه الربوبية بحقيقتها ) التي هي نسبة الأسماء والذات إلى الأشياء ، وعن ( جميع الأسماء الإلهية ) التي هي كالربوبية باعتبار سبق انتسابها إلى الأشياء على انتساب الذات إليها بواسطة تضمنها معاني الأسماء ، ( فثبت من هذا الوجه ) أي : طلب الأسماء بأنفسها والذات بواسطتها للأشياء ، وكونه كالكرب فيها ( أن رحمته ) بإيجاد العالم ( وسعت كل شيء ) ، حتى وسعت الربوبية والأسماء الإلهية ، فهي أي : رحمة في ( فوسعت الحق ) باعتبار تضمنه معاني تلك الأسماء ، ومعنى الربوبية ؛ ( فهي ) أي : الرحمة في إيجاد صور الأشياء في الخارج ( أوسع من القلب ) ؛ لأنها وسعت الحق والربوبية ، ولكل ما في الخارج من الجزئيات ، والقلب لا يتسع للجزئيات كلها في الذهن بقدر واجتماعها في الخارج ( أو مساوية له في السعة ) ، إذ للقلب تصوير الكليات في الذهن ، وليس ذلك للرحمة المصورة للأشياء في الخارج فقط . ويمكن أن يقال في معنى المساواة : إن للرحمة أيضا تصوير الأمور في الذهن ، وللقلب أيضا التصوير في الخارج فيما يخلقه العارف لهمته ، ( هذا ) أي : بحيث أن القلب أوسع أم الرحمة أو هما متساويان ( مضى ) أي : تم وفي معناهما الوحدة والكثرة ، إذ لكل كثرة باعتبار مجموعيتها وحدة ، والوحدة تظهر بكل وحدة للكثرة ، مع أن الوحدة مجملة والمجمل من حيث هو مجمل أضيق من المفصل ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . [ ثمّ لتعلم أنّ الحقّ تعالى كما ثبت في الصّحيح يتحوّل في الصّور عند التّجلّي ، وأنّ الحقّ تعالى إذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات فكأنّه يملؤه ، ومعنى هذا أنّه إذا نظر إلى الحقّ عند تجلّيه له لا يمكن معه أن ينظر إلى غيره ، وقلب العارف من السّعة كما قال أبو يزيد البسطاميّ : « لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به » ، وقال الجنيد في هذا المعنى : « إنّ المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر ، وقلب يسع القديم كيف يحسّ بالمحدث موجودا » ] . ثم أشار إلى أن القلب مع غاية سعته هل تجتمع فيه التجليات المختلفة للحق أم لا ؟ وهل يتسع معه للخلق أم لا ؟ فقال : ( ثم ) أي : بعد معرفة اتساع القلب ( لتعلم أن الحق تعالى كما ثبت في الصحيح يتحول في الصور عند التجلي ) في القيامة ، فيتجلى في صورة